في أول بحث له، وهو مبحث في الهجاء عند ابن الرومي، يتوصّل أستاذنا الجليل الدكتور عبد الحميد جيدة إلى حقيقة مفادها أن الهجاء ليس غرضاً فنيّاً يرمي إلى الإقذاع المباشر أو اللامباشر، بل هو فن من الفنون التعليمية التي تهدف الى اصلاح الانسان خاصة والمجتمع عامة.
وليس الهجاء ـ حسب ما أرى ـ تعبيراً عن نزعة انحطاطية في نفس صاحبه، ولا هواية سلبية تعتمد على التجريح بالآخرين وتحقيرهم، إنما هو، في أغلب صوره، وسيلة من الوسيلات الفنيّة الراقية التي تصل الى الهدف الأكبر (المجتمع) حيث يعالج الشاعر نواقص معينة فيهاجمها ويحقّرها لتخرج من الاطار السلبي الى اطار آخر أكثر إيجابية وفائدة.
ومن هذه الحقيقة الملتصقة بفن الهجاء يبرز الترادف العميق بين ما يسمى بالكاريكاتير وبين الهجاء. فالرسام الكاريكاتوري هجّاء مقذع، ولكنه ليس شتّاماً وإلا لكانت الصحف تحجم عن وضع رسومه على صفحاتها.
وإذا كانت الفنون الأخرى ـ عالمياً ـ لا تتوسّل الهجاء رافداً أساسياً، فإن العرب في فنونهم الخطابية يسترفدون الهجاء ويجعلونه غاية للوصول الى الهدف بحيث لا يكون هو الهدف بحد ذاته بقدر ما يكون عاملاً أساسياً لايصال الفكرة في فن الخطابة (حلوم الأطفال وعقول ربّات الحجال) وطريقاً لقلب الأوضاع الاجتماعية والسياسية في المسرح (مسرح الكوميديا العربية عامة).
لنعد إلى مسرحية عربية قدّمت على مسرح سيدة لبنان هاريس بارك بأوستراليا من ضمن نشاطات مدرسة راهبات العائلة المقدسة المارونيات لعام 1991، واشترك في تقديمها عدد كبير من تلامذة المدرسة.. وقد توكّأ كاتب المسرحية الاستاذ شربل بعيني الى "الهجاء" كمفهوم فني إصلاحي تارة وشعبي تارة أخرى، ليقدم لنا مسرحية لا تعتمد على الهجاء ـ طبعاً ـ كنصّ إنما تعتمده كرافد من الروافد المتعددة التي تلقّفها النص سواء أكانت درامية أم كوميدية.
ونستطيع من خلال نظرة معمّقة على النص الأساسي للمسرحية تقسيم "الهجاء المسرحي" الذي اعتمده شربل بعيني الى عناصر هي:
1ـ الهجاء الاجتماعي:
هو الهجاء الذي ينصب على المجتمع ليطارد ما فيه من عيوب ومساويء فيهاجمها على طريقة الهدم للبناء رغم ان "الحل ـ البناء" ليس مطروحاً من الكاتب، بل هو متروك لتقدير المشاهد نفسه.
ويتجه الهجاء الاجتماعي نحو الـ "نحن" بدلا من الـ "أنتم"، فالنمط الأدبي الذي عرف به شربل بعيني في شعره انتقل الى نصّه المسرحي مرتداً الى الذات "الجماعية":
ـ مين منّا مش كافر؟ اللي حرق بلادنا شو؟
ـ اللي قتل ولادنا شو؟
ـ اللي دبح ع الهويّه شو؟
ـ اللي سدّ بوزو وبلادو عم تحترق شو؟
ـ اللي ترك مرتو وولادو صيصان شو؟
ـ اللي سرق خيّو تا يجمّع مال حرام شو؟
ـ اللي تاجر بالحشيشه شو؟
ـ اللي بيكذب مية كذبه بالدقيقه شو؟
ـ اللي شوّهوا تعاليم الأديان شو؟
بهذه الصورة الإجمالية يقدم شربل صورة المجتمع ـ الانحطاطي الذي سادته نزعات المادة والخيانة والاجرام ليصبح بؤرة للفساد والتخلّف، وينحدر الوطن إلى دركات اليأس بعد أن كان وطن الحضارة:
ـ ليش ضلّ عنّا حضاره تا ننشرا؟
ولكن شربل يحصر المشكلة الأساسية التي أدّت الى ضياع المجتمع ـ الوطن بالخيانة:
ـ لولا الخيانة كنا أحسن ناس بالشرق الأوسط
فشربل ليس رجل سياسة ليدخل الى ماورائيات "النظام العالمي القديم ـ الجديد" الذي يضع الخطط والاستراتيجيّات ويخلق المنفذين، بل هو يكتفي بكلمة "خيانة" ليستحوز على جميع مصادر الانحطاط دون تسميتها بأسمائها.
2ـ الهجاء السياسي:
يمزج نص مسرحيّة "هنود من لبنان" بين الهجاء الاجتماعي والهجاء السياسي بشكل ظاهر.
فغياب الرمز ـ الحاكم عن أغلب فصول المسرحية نقل الهجاء من هذا الرمز لينصب على حالة الوطن عامة، ويتناول "الجماعة" في قالب كاريكاتوري ساخر:
ـ هودي الجماعه ما بيركبوا إلا ع الوطنيّه..
وهؤلاء هم الحكّام الذين "إذا ما لقيوا شي تا ياكلوا بياكلوا ولادنا".
ولا يتورّع الكاتب عن توجيه الاهانة إليهم:
ـ تفوه عليهن وع وزارتن..
كما انه ينعتهم "بالمجرمين":
ـ حكّامنا مجرمين وشعبنا فقير..
وهكذا يتراءى ان الهجاء السياسي ليس منصبّاً على الرمز "أتلا" "نيرون" أو أية شخصيّة أخرى، فغياب الشخصيّة التي ترافق المسرحية دائماً جعل الهجاء يتصل بجماعة يعتبرهم الكاتب مسؤولين عن الكوارث والنكبات التي حلّت بالشعب وهدمت الوطن.
3ـ الهجاء الأممي:
وهو أشمل أنواع الهجاء وأعمّها وقد حاول شربل ـ لماماً ـ أن يتوكأه من منظور سياسي لتبيان أن العالم سخّر الدين في سبيل تسخير الانسان لقتل أخيه الانسان:
ـ حروب الدني كلاّ، كان ألله يتدخّل فيها، وكل الأطراف كانت تستنجد فيه، وبس يموت حدا منن بيسموه شهيد، وبيستأجرولو شقّه بالجنه: آكل، شارب، نايم، قايم ع آخر طرز.
فالحروب من صنع الانسان، والانسان سوّغ الاعمال العسكرية تارة باسم الشرف، وتارة باسم الوطنيّة، وأطواراً باسم الدين.. ووصل به الامر الى تحضير منازل في الجنة لمن يسميهم شهداء، وكل ذلك انما هو من باب التلويح بالسعادة جزاء للاشقياء الذين يتذابحون من أجل نصرة الحاكم فيزدادون حنقاً وتطول الحروب. وكأني بشربل ينتقم من العالم عندما يقول:
ـ مأكّد طرشان.. ولو ما يكونوا طرشان كانوا سمعونا عم نبكي..
ففي هذا الهجاء الذي لا يوجهه كاتب المسرحية الى العالم مباشرة تبرز حقيقة الأوطان الضائعة بين رياح السياسة ونيران الحروب لتبقى ضحيّة الانتظار، فلا من يسمع، ولا من يستجيب، لأن قدر الصغار أن يظلّوا وقوداً لسياسات الكبار وشهواتهم.
4ـ الهجاء الشخصي:
وهو الهجاء الذي ينصب على شخص بعينه فيبيّن علاّته وأخطاءه:
ـ نعمان دمّله بهالمجتمع لازم نفقيا تا ينام المجتمع مرتاح..
ولكنه يصبح هجاء في غير محلّه عندما لا يكون له مردود أخلاقي أو إصلاحي كالقول:
ـ ما لقيت تنقي إلاّ هالبهيم؟
أو:
ـ بنت زمرّد لازملا نقع بالكربونات قبل ما حدا يستحليها..
أو:
ـ شبّ قد عجل البقر..
ولعلّ هذا الهجاء جاء للترويح عن نفس المشاهد حينما خلت المسرحيّة، أو كادت، من المشاهد الكوميدية الخالصة. ويصل استعمال الهجاء على هذا المستوى الى حدّ التناقض، فالشاب الذي "قد عجل البقر" هو شاب "مثل القمر"، وهذه المراوحة بين الثناء (الغزل) والهجاء، اضافة الى كون الهجاء لم يغيّر في الحدث أو يطوّر المسرحيّة ويغيّر اتجاهها، بل جاء زائداً على النصّ ومن خارجه، أساءا الى العمل بشكل ظاهر.
ويبدو من كل ما سبق ان مسرحيّة "هنود من لبنان" اتجهت الى الهجاء كرافد من روافدها ـ فهي ليست في الأصل مسرحية نقدية ولا توسلت الهجاء هدفاً ـ لأن المبنى العام يرتكز على التقاء شعبين من حضارتين مختلفتين أولاً، وعلى قصة حب بين إنسانين يفترقان في الحضارة التاريخية، ويلتقيان في الحضارة الانسانية الجامعة.. فلم يكن للهجاء دور أساسي، بل كان معتمداً بطريقة تداخلية مع النصّ رامياً الى الاصلاح الاجتماعي والسياسي والفردي من ناحية، وقاصراً في شقّه الفردي عن إصابة الهدف كما يجب، فجاء هنا غير مقنع إلا في كونه نقلاً لألفاظ يستخدمها العامة في الوصف البدائي كلفظتي "بهيم ـ وقد عجل البقر". وكم أتمنى على شربل أن يتجنّب في مسرحيّات أخرى هذه الألفاظ التي يمكن استبدالها بألفاظ أخرى أخف وقعاً وأطيب معنى وأسمى مقاماً، وخصوصاً أن النص لا يتطلبها أو يفرضها، وهي ليست أساساً ضرورياً من أسسه الفنية "والحدثية".
صوت المغترب، العدد 1337، 18/7/1991
**
