مدارسنا والعباقرة الكبار

  ما وقفت مرّة أمام وجه طفل إلا وسلبني جلّ اهتمامي، حتى أنني في كثير من الاجتماعات التي يستأثر فيها الكبار بالحضور والكلام، لا أجد بداً من تدليل طفل يمر من أمامي إما حانقاً من ثرثرة من يفوقونه سناً وطولاً وقدرة، وإما لاهياً عن عبثيتهم بعبثية أخرى تختص به، ويعبّر عنها بلغة لا تفهمها إلا القلوب الشاعرة.
   عجباً لهؤلاء الأطفال ما أعظمهم.. بالأمس كانوا يعلنون الثورة على الجهل والكبت والظلم في مسرحية كتبها وأخرجها الشاعر الصديق شربل بعيني، وجرى تمثيلها على مسرح سيدة لبنان. 
   أكثر من 300 طفل من المدرسة شاركوا ومثّلوا وأبدعوا ورفعوا صوت التمرّد بلغة قادرة على اختراق القلوب.
   ولا أزال أتذكّر طلاتهم المزغردة ووجوههم العالية وأصواتهم الثابتة وهم يترجمون أفكار الكبار، ويحاربون الأشباح في ضيعتها بل في بلادها.
   وبالأمس أيضاً، وقف أطفال آخرون في مدرسة مار شربل يقيمون مهرجاناً غنائياً راقصاً، ويمثّلون مسرحية "نجوم المجوس" بكل البراعة والتناغم والاتقان، مما يدلّ على قدرة هؤلاء الأطفال على تشكيل سقف إبداعي ربما يضاهي ما يقوم به الكبار من عطاء وابداع.
   وبالأمس قامت ثلاث فتيات من مدرسة النوري في غرين أيكر بكتابة رسالة إلى القيادة العراقية يتمنين فيها باسم الانسانية وبلهجة رقيقة إطلاق الرهائن الأوستراليين المحتجزين في العراق.
   إنه موقف إنساني ربما لا يتمتع بلذة حضوره إلا من ذاقوا ألم ألأسر ومرارة الغربة والعذاب.
   وإنها لغة الطفولة التي تلبس حروفاً وردية وتنطلق عبر الأثير إلى القلوب قتليّنها والأفكار فتزلزلها.
   وإنها العظمة التي لا يستطيع بلوغها إلا من لم يلوّثوا أيديهم بوحول العالم وبشاعته.
   ألا بوركت مدارسنا، وبورك عباقرتنا الكبار، وبوركت الطفولة التي تبدع دون حساب.
صوت المغترب، العدد 1107، 6/12/1990
**