من أجمل المصادفات أن تلتقي شاعراً، تحسّه بعضاً منك، أو تحسّك بعضاً منه، وترى في كلماته شيئاً من فكرك، واغتقادك وثورتك، فتروح تقلب صفحاته في شغف، كأنك تبحث عن شيء ضاع منك، فتنسى أن ما تقرأ ليس لك، ولكنك لسبب تجهله ظنتته لك، ونسبته إليك، واتهمت صاحبه بأنه أخذه من دفترك، في ساعة طمع وتعدٍ.
هذه حكايتي مع شاعر، لم أعرفه من قبل، صعقت عندما قرأت له:
لم نعد نرضى بأن تزغرد الأعراس في قصورهم،
وتنتحب في حيّنا المآتم..
لم نعد نرضى بأن يعيشوا رغدهم،
والشعب، كل الشعب، باللقمة حالم
لم نعد نرضى بأن نضمّد الجراح
أو نبتلع المظالم.
وهرعت إلى أوراقي التي حملتها معي من لبنان، لأقرأ:
قلبي على بائسة،
باعت مناديلاً بخبز
في الليالي العاتيه
كوم القمامة أزهرت
عند السلاطين،
وأصحاب الملايين..
وآلاف تصلي راضيه..
وقرأت لشربل أيضاً:
آتٍ إليكم من ليالي الجوع والفقراء..
من شوادر بؤسهم،
من حزنهم،
من كلّ أنات العناء..
ثم قرأت لي:
أنا حبة رمل، ترتمي في باديه
أنا من عصف الهواء
في شبابيك البيوت النائيه
ريشتي من ثوب فلاح،
وحبري وردة عند المساء
نثرت أوراقها في ساقيه..
وفي اعتقادي، أن هذا الإحساس المشترك بين شاعرين، مردّه إلى معركة النضال الواحدة من أجل الانسان وحريته وكرامته، فالشاعر الانساني واحد في كل زمان ومكان، وليس للحدود والأبعاد قدرة على تغريب الشاعر عن رفاقه الذين يغردون في سرب آخر.
أجل ان شربل بعيني شاعر إنساني صادق، تتفلّت الكلمات منه كالمطارق، تدك عروش الظلم والاستبداد، وتبشر بولادة جديدة، بعد طول انتظار:
صوت البلاد صرختي
وسع المطارح قبضتي
فأين، أين المهربُ؟
والواضح أن شاعرنا يخرج على النظام الموسيقي الذي يحكم القصيدة، لتتاح له، أكثر فأكثر، حرية التعبير، والانفعال النفسي، فيروح يخرج من ذاته، محطماً الحواجز والسدود، وكاشفاً عن الحقائق والاحاسيس، دون خوف أو مواربة:
أنا الذي قوّضت بالشعر
رموز الحقد والضغينه
وطردت الفتنة من كل أرجاء المدينه
وبالثورة نفسها، يتكلّم صديقنا الشاعر على من تآمروا على الوطن الحزين:
قسّموها..
قسّموا أرضي مزارع
ملأوها بالخفافيش
وأصناف الضفادع..
وهو لا يتهيّب الموقف عندما يهدد هؤلاء:
الثأر بيني وبينكم
الثأر بيني وبينكم
يا من ذبحتم أرضنا
بشقاقكم..
وبهذا، تبرز مقدرته على التحدي، والوقوف بجرأة، في وجه من يتهمهم بالتآمر على الوطن، وذبحه، وتقسيمه..
إن شربل بعيني يتناول مشكلة الوطن الصغير بصدق وحماس، ولكنه لا ينسى مأساة الوطن الكبير، فتذكرنا قصيدته "صدقيني يا بهيسة" بشعر نزار قبّاني في أعماله السياسية. يقول شربل:
أخدارنا مباحة
والويل للنساء
أوطاننا مسبية بعنادنا،
ونجومنا مطليّة بسوادنا..
حتى السماء عندنا ليست سماء..
وكذلك يظهر اللون القبّاني في قصيدة "اسمعوني جيّداً":
قل لنا.. إياك أن تكذب كذبه
كم قبضت ثمن الشعر
وهل في الأمر لعبه؟
ويحمّل شاعرنا اللهجة المحكيّة زخماً فنياً، لا تقوى على حمله إلا اللغة الفصحى، فهو يترك الزجل التقليدي، ليطرق باب الشعر العامي الرقيق، فبعد كتاب "مراهقة" الذي يتناول فيه الشهوة الجسدية، بمعزل عن إبداع فني بارز، و"رباعيات" الذي يبحث في شؤون الحياة، بحكمة وواقعية، يطلّ "الغربة الطويلة"، ومن روائعه قصيدتان: "تراب عم يمشي" و"جزمة أللـه".. ثم يأتي "مجانين"، وهو شعر وطني الطابع، ومن أجمل قصائده "آخرتها شو؟":
وآخرتها شو؟
وبعدنا بلبنان
مننحني لفلان
ومنألّه فليتان
وندور بمدارو..
الانسان أللـه أوجدو إنسان
تا يرفع شعارو
ويمجّدو هوّي..
أما في "أللـه ونقطة زيت" فيستند البعيني إلى آيات قرآنية وإنجيلية، ليتحوّل مبشراً دينياً، له فهمه الخاص للدين، فهو يفهمه بعيداً عن المظاهر، والكذب، والخداع، ويفلسفه طارحاً الأسئلة الوجوديّة، التي حيّرت الانسان في تاريخه الطويل:
والإنسان الضايع حقّو
بدنيي قوانينا ماليِه
استحلى رغيف محمّر.. سرقو
هيدي رح تحسبها خْطِيِّه؟
وبهذا، يبدو شربل بعيني شاعراً مُجيداً، متعدد الموضوعات والأساليب، يبرز الصورة الفنيّة بطلاقة، معتمداً الفصحى طوراً، والعامية أطواراً، إذ لا أهمية للغة عنده بمعزل عن الموضوع، فالموضوع هو الأساس الذي تبنى عليه هيكلية القصيدة، ولا نقاش بعد ذلك في مسألة اللغة. وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت إن شربل بعيني متفوّق في شعره الانساني، هذا الشعر الذي يقف مارداً في وجه الطغيان، ليدفع الظلم والفقر والعذاب عن المساكين والتعساء في الأرض، والذي يستمد مادته من اصول دينية سماوية سمحاء، توصي بالعدل والرحمة، وتحضّ على المحبّة والصدق والتآخي.
إن هذا الشعر الانساني العميق، الذي يغوص في قضية الانسان ومصيره، لا يمكن عزله عن مسيرة الشعر الانضوائي الملتزم، الذي رأيناه عند كبار الشعراء أمثال بابلو نيرودا، وبدر شاكر السيّاب.
على أنني لا أخفي بعض التحفظات حيال شعر شربل بعيني، وأهمها: التسرّع والانفعال في سبك الألفاظ مما ينتج عنه وجود ألفاظ لا تناسب المعنى، ففي قوله مثلاً:
إسمعوني جيّداً
يا سادتي المحققين
بعت أشعاري.. ولكن
لأناس يحرثون الأرض
يجنون المواسمَ
ضاحكين قانعين..
نجد أن لفظة "ضاحكين" لا تناسب الحبكة الدرامية، أو الموقف المأساوي الذي ينطوي عليه كامل المقطع، وكان يمكن حذف هذه اللفظة دون تغيير النغم وإضعاف المعنى.
وفي قصيدة "فيروز كوني أمنا" يقول:
لنسكن التاريخ..
نبني قلبه الحنون..
فكلمة "نبني" لا تناسب القلب، وكلمة "الحنون" ليست صفة جيّدة للتاريخ، أو هكذا يتراءى لي.
وفي المقطع:
وتناتشنا الغنائم والمراكز والمقام
مثل كلب أسكتوه بالعظام
يظن السامع أن المقام هو الكلب، لأن الكلمتين مفردتان، ويستحب تشبيه المفرد بمفرد، ومن غير المنطقي تشبيه الناس الذين يتناتشون الغنائم والمراكز بالكلب، بل بالكلاب، وخصوصاً أن الفعل "تناتش" يدل إلى مشاركة بين أكثر من واحد في عمل معيّن.. وكان يمكن القول:
وتناتشنا الغنائم والمراكز والمقام
ككلاب أسكتوها بالعظام
أما الملاحظة المهمة الثانية فهي شيوع النظم، وشعر المناسبات، كفصيدة "مجدليا" و"رأس مسقا" و"أعظم سفير".. وهذه الكتابات كان يمكن تجاوزها عند الطباعة، لأنها تنطوي على قيم إنسانية شاملة، إلا أنها تعبّر عما يخالج الشاعر من أحاسيس شخصية تحاه موضوع معيّن. ولا يخفى ما لمثل هذه الأنماط الشعريّة من تأثير على آراء النقّاد فيما بعد، وقد كانت قصائد شوقي في هذا الاطار سبباً مباسراً لاتهامه بالفردية من قبل بعض الدارسين لشعره.
وكنت أتمنى لو يتاح لي الوقت لدراسة مجمل نتاج شربل بعيني، لما ينطوي عليه من مسائل أخلاقية ودينية وإنسانية، ولا يسعني إلا أن أختصر هذا الشاعر بكلمات قليلة، فأقول:
"إنه إنسان كبير".
صدى لبنان، العدد 634، 21/2/1989
**
