الزجل اللبنانيّ في أستراليا: جسر العودة ومنبر التفاعل

(نماذج ملكي، بعيني ومنصور)

   يُعتبر شعر الزجل في أستراليا واحداً من أهمِّ الروافد الثقافيَّة الشعبيَّة، التي ما يزال اللبنانيُّون يحتفظون بها. فالشعرُ من الموروثات الحيَّة التي لا تزول، مهما تعدَّدت مواقع سكن الإنسان وظروفُه، ومهما تطوَّرت التكنولوجيا، وتغيَّرت مفاهيمُ الحياة. والزجلُ اللبنانيُّ هو جُزء من التراثِ المحبَّب، وقد عرَفه اللبنانيُّون منذ قديمِ العصور. وفي هذا يقول الباحث أنطوان الخويري: "الشعرُ الزجليُّ هو ابنُ البيئةِ والطبيعةِ والتراث، وركنٌ أساسيٌّ من أركانِ الثقافة الشعبيَّة التي طَبعت لبنانَ بخصوصيَّةٍ مميِّزةٍ فريدة، تقوم على حضارتِه وتاريخه وشخصيَّته، وهُويَّتِه وعاداتِه وتقاليده... "(الخويري، 2011، ص ج).
   وقد حمل اللبنانيُّونَ معهم أينما حلُّوا الزجلَ كتقليد أدبيٍّ شعبيٍّ متجذِّرٍ في الذاكرةِ والذاتِ الجَماعيّة، فقد "رافق الشعرُ الزجليُّ اللبنانيِّينَ أينما حلُّوا، وتغنَّوْا به تُراثاً ثميناً وتفاخروا به خُصوصيَّةً مميِّزةً لحضارتِهم المشرقيَّة، وثقافتِهم التاريخيَّة... واللافتُ أنَّ الشعرَ الزجليَّ ما يزال موجوداً ورائجاً حتَّى يومنا هذا في معظمِ بلدان الانتشار... حيث يحتلُّ مكانتَه المميَّزة في الصُّحفِ والكتب التي يُصدِرها المغترِبُون اللبنانيُّون في مناسباتِ أفراحِهم وأعيادهم، محتفظينَ بفخر واعتزازٍ كبيرين بهذا الموروثِ الثقافيِّ الثمين، وقُدامى المهاجِرين لا يحفَظون من لبنانَ سوى الشعرِ الزجليِّ وأخبارِ أبناءِ القريةِ وعاداتِهم وتقاليدِهم. "الخويري، 2011، ص 619-620). 
   ومثَّلت المناسباتُ اللبنانيَّةُ من زواجٍ، وولادةٍ، وأعيادٍ، ووَفيَّاتٍ، ومِهرجاناتٍ وطنيَّة مواضيعَ مهمَّة لشعراءِ الزجلِ في الأحياءِ التي سكنوها. فاللبنانيُّون الذين هاجروا إلى أستراليا شكَّلوا مجتمعاتٍ متشابهةً في مناطقِ سكنِهم... وتمكَّنوا من الملاءمةِ بين مجموعتينِ متعارضتينِ من القيَم والممارسات: تلك التي جاؤوا بها من وطنِهم، وتلك التي وجدوها في أستراليا (.(Batrouney, 1985, p. 34 
   وقد يسألُ سائل: لماذا لم يتخلَّ اللبنانيُّونَ في أستراليا عن الزجل، في خِضمِّ الحياةِ الجديدة والمجتمعِ العصريِّ الذي انتقلوا إليه طوعاً أو لأسباب اقتصاديَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة ضاغطة؟
   إنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بطريقةِ التعبيرِ عن الذاتِ بطريقةٍ سهلة وواضحة، في مجتمعٍ ذي منشإٍ ريفيٍّ في الغالب، يتحدَّرُ أغلبُ سكَّانِه من قُرى مسيحيَّةٍ في شِمال لبنان. فالشاعرُ في هذا المجتمعِ يرى في اللغةِ العامِّيَّةِ وسيلةً أفضلَ للكشفِ عن هُمومِه وقضاياه، بعيداً عن الغموضِ والتكلُّفِ والعُمقِ الرمزيّ. فهيمنةُ القصيدةِ الزجليَّةِ على الشعرِ المهجريِّ الأستراليِّ واضحةٌ في ظلِّ تراجعٍ ملحوظٍ للقصيدة العربيَّةِ الفصيحة.
   كما أنَّ الزجلَ هو قيمةٌ ثقافيَّةٌ تتجذَّرُ في الذات، تماماً كالعاداتِ والتقاليد، فمن الصعبِ أن ينصرفَ من هذه الذات، مهما كثُرتْ عواملُ الحداثة، والعولمة، وتطوَّرتْ وسائلُ الحياة. فالتُّراثُ بشكلٍ عامٍّ يمكن فهمُه باعتبارِه أداةً سياسيَّةً وثقافيَّة مهمَّة، من حيث تحدِيدُهُ وتشريعُه للهُويَّة، والاختباراتِ، والموقفِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ الخاصِّ بمجموعاتِ الناسِ المتفرِّعين من وطنٍ ما .(Smith, 2006, p. 52) وفي اعتقادِنا أنَّ ابتعادَ المرءِ عن بيتِه وبيئتِه لا يُفسِد ارتباطَه بالموروث، بل إنَّه يزيدُ الحنينَ في قلبه، ويدفعُه إلى التعلُّقِ أكثرَ بالماضي، فردَّةُ الفعلِ العكسيَّهُ هذه لها جذورٌ نفسيَّة وعاطفيَّة. يقول جوزف أبي ضاهر في موضوعِ الزجلِ الاغترابيّ: "زجَّالو الأمسِ (أي شُعراءُ الاغتراب) كانوا أشدَّ "هَوساً" بأرضِ الوطن، نسَجوا علاقتَهم به بالتعبيرِ العاطفيِّ الأكثرِ عفويَّة..." (أبي ضاهر، 2010، ص 16). وهذا الهوَسُ بأرضِ الوطنِ وهمومِه كان من علاماتِ النبوغِ في الشعرِ اللبنانيِّ- الأستراليّ. فشعراءُ لبنانَ في أستراليا بقيتْ أصولُهم الروحيّةُ مرتبِطةً بالأرضِ والزمانِ الماضي، وظلُّوا يَذكُرونَ لبنانَ وأهلَه، ويحِنُّونَ إلى أرضِ الساحةِ والنبعِ والسنديانة، وهذا الارتباط يناقض طبيعة الانتماء الأعمى إلى مجتمع جديد، فيه كثير من القيم التي لا تتماشى مع المفاهيم الشرقيَّة. 
   وإذا كنَّا لا نعرفُ مَن هو الزجَّالُ اللبنانيُّ الأوَّلُ في أستراليا، فمن المؤكَّد أنَّ شعرَ الزجلِ لم يفارقِ المهاجرينَ اللبنانيِّينَ الأوائل، منذُ وطِئت أقدامُهم الجزيرةَ الواسعةَ في الرُّبعِ الأخيرِ من القرن التاسع عشر (عون، 2001، ص 115). فالحضورُ اللبنانيُّ في أستراليا تحقَّقَ من خلالِ ثلاثِ موجاتٍ للهجرة، في غضونِ أكثرَ من مئةِ سنةٍ متتالية (Batrouney, 2002, p. 39).  
   وقد يكونُ كثيرٌ من اللبنانيِّينَ الأوائلِ نظَموا الشعرَ الزجليَّ، لكنَّ أشعارَهم لم تصلْ إلينا بسببِ عدمِ 
   وجودِ وسائلِ التدوينِ والطباعة، كالمطابعِ العربيَّةِ والصحفِ اللبنانيَّة أثناء الموجتين الأولى والثانية للهِجرة. وهذه الوسائلُ متوافرةٌ بكثرةٍ في وقتنا الحاضر، ما يُسهِّل عمليَّة الحفظ والتوثيق إلى أمد بعيد. كما أنَّ الصحف والإذاعات اللبنانيَّة تقوم بدور كبير في نشر الزجل والترويج له، إضافة إلى المناسبات المختلفة من اجتماعيَّة وسياسيَّة وثقافيَّة، التي تتيح للشعراء التعبير عن آرائهم في شعر عامِّيٍّ يفهمه جميع الناس.
   وقد يتعجَّب الباحثُ في عصرِنا هذا من عددِ الشعراءِ في أستراليا، وأذكرُ منهم على سبيل المثال لا الحصر: عصام ملكي من بشمزِّين، وشربل بعيني من مجدليّا، وجورج منصور، وموريس عبيد، والراحلين رامز عبيد وحنّا عبيد ويعقوب عبيد الملقَّب بأمير الزجل من متريت، وفؤاد نعمان الخوري وسايد مخايل من بحويتا، وجرمانوس جرمانوس وانطانيوس أيُّوب من كرم المهر، والراحل زين الحسَن من بتوراتيج الكورة... كما نَشأت في أستراليا فرقتان زجليَّتان في الثمانينات والتسعينات، الأولى "جوقةُ بلابل المهجر"، وشعراؤُها: رامز عبيد، حنَّا عبيد، جورج منصور ومخايل عيد القزِّي، و"جوقة الكلِمه"، وشعراؤها عصام ملكي، يعقوب حنَّا الملقَّب بنَسر الشِّمال، وسليم شديد وميلادُ الطحَّان. وكانت هذه الفرقُ تتبارى، وتُنظِّمُ الحفَلات، وتُشاركُ في المناسبات الكُبرى. ونشأت في الفترةِ نفسِها "عُصبةٌ الزجل"، وهي لم تعد ذات نشاط ملحوظ في الوقتِ الراهن. وفي ملبورن أيضاً قلَّةٌ من شعراء الزجل نذكرُ منهم أنطوان برصونا الملقَّب بزغلول الزِّغرين. كما نَذكُرُ في مدينةِ برزبن الشاعر الراحل عقل كرم من برحليون. وعندما تقوم الفِرق الزجليَّة اللبنانيَّة المعروفة، كجوقة موسى زغيب، أو جوقة روكز خليل روكز بزياراتٍ إلى سيدني وملبورن، تَضمُّ إلى صفوفِها واحداً أو اثنينِ من الشعراء اللبنانيِّين المقيمين في أستراليا، كعصام ملكي، وجورج منصور، فيندمجُ المُقيمُ مع المغترب في مداوراتٍ ومنازلات شعريَّة مُحبَّبة.
   ويجهَلُ الكثيرونَ في لبنان أنَّ عشرات الدواوين الزجَليَّة أو التي تحتوي على قصائدَ زجليَّة نُشرت في أستراليا، كان أوَّلَها ديون "عذاب الحُبّ" لعصام مِلكي "طبع في لبنان" في عام 1973، ونَذكُر من هذه الدواوين على سبيلِ المِثالِ أيضاً: "الله ونقطة زيت" و"مجانين" لشربل بعيني، "بيادر الحنين" لجورج منصور، "بين تذكرتين" لفؤاد نعمان الخوري... ونَشر الشاعر عصام ملكي، وهو غزيرُ الإنتاج، قصائدَه في ثلاث مجموعات ضخمة طبَعها في لبنان تحت عنوان: "الديوان المِلكي". وأنشأ بعضُ الشعراء مواقعَ على الإنترنت، ومنهم عصام ملكي، وشربل بعيني اللذان يمكن الاطِّلاعُ على قصائدِهِما في موقع "مجلَّةِ الغُربة" الإلكترونيّ. وتقومُ المجلَّةُ المذكورةُ بنشرِ قصائدَ زجليَّة لشعراء لبنانيِّينَ مقيمينَ في أستراليا، كتعبيرٍ عن اهتمامِها بالشعرِ اللبنانيِّ، إلى جانب الأنواعِ الأدبيَّةِ الأخرى.كما أنَّ رابطة إحياء التراث العربيّ في أستراليا، وهي "مؤسَّسة ثقافيَّة لها نشاطات أدبيَّة وفكريَّة" (عون، 2001، ص 418) تهتمُّ بالأدبِ العربيِّ في أستراليا، ومنه الشعرُ اللبنانيُّ والزجل. وقد مَنحت الرابطةُ المذكورة "جائزة جبران خليل جبران العالميَّة" لعدَّة شعراء يكتبون الزجل، ومنهم شربل بعيني، وفؤاد نعمان الخوري، كما كرمت الراحل زين الحسن، وهذا الأخير لم ينشر في حياته، على حدِّ علمنا، سوى كتاب واحد هو كناية عن ديوان زجليٍّ بعنوان "طائر الشوق". 
   أمَّا الموضوعات التي يتناولُها الشعراءُ اللبنانيُّون في أستراليا، فلا تختلِفُ عن المواضيع التي يتناولُها شعراءُ الزجل في لبنان، كالغزل، والوصف، والمناسبات، والحنين، والوطنيَّات... تُضافُ إليها مواضيعُ فرضتها البيئةُ الجديدة، كالحداثةِ، والنظامِ، والتطويرِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ والحرِّيَّة. ونحنُ سنركِّزُ في بحثِنا على موضوعَينِ أساسيَّين، هما الزجلُ اللبنانيُّ كجسرٍ للعودة، والزجلُ كمِنبرٍ للتفاعُل مع المجتمع، بالاعتمادِ على النقدِ الاجتماعيِّ الذي يرى أنَّ النصَّ الأدبيَّ لا ينفصِل عن الواقع، بل إنَّ هذا النصَّ يُفسَّرُ في ضوء الواقع. وإنَّنا نرى أنَّ هذا المَنهجَ النقديَّ هو الأفضل عندما نتناول أدباً واقعيّاً، يلامسُ قضايا الإنسانِ والمجتمعِ والحياة، فإنَّ قسماً كبيراً من أفضلِ النقدِ الأدبيِّ ينصبُّ تحديداً على العلاقةِ بين الأدبِ والواقع (تودوروف، 1986، ص 111). كما سَنُقصِر بحثَنا على ثلاثةِ شعراء، هم عصام ملكي، شربل بعيني، وجورج منصور. ولم يرِد ذكرُ ملكي وبعيني في كتاب "أنطولوجيا زجلِ الاغتراب اللبنانيّ" لجوزف أبي ضاهر، ولا في كتاب "تاريخ الزجل اللبنانيِّ" لأنطوان بطرس الخويري، الذي أحصى في باب "الشعرُ الزجليُّ في دنيا الانتشار" أكثر من أربعين شاعراً مهجريّاً (أغلبُهم من أميركا الجنوبيَّة)، ولم يذكر شعراء من أستراليا (ينظر خويري، 2011، ص 619 وما بعدها). وإنَّنا نلاحظ إهمالاً كبيراً للحركة الأدبيَّة المهجريَّة في أستراليا، ليس فقط في مجال الشعر العامِّيِّ، بل أيضاً في مجالات القصَّة والأقصوصة، والشعر الفصيح، وأنواع المقالة، والأدب المكتوب باللغة الإنكليزيَّة.
1-الزجل اللبنانيُّ في أستراليا جسر العودة: 
   يحمل المهاجرُ معه كَشَّةَ الأحلام والأماني، ويخوضُ البحارَ باحثاً عن لقمةِ العيش، لكنَّ وَداعَه للأرضِ الطيِّبة لا يكونُ بمثابةِ فِراقٍ أبديّ، بل هو فاصلةٌ بين الرحيلِ والعودة، بين الهُويَّةِ الأصيلةِ والهُويَّةِ البديلة. وموضوعُ الهُويَّة ليس موضوعاً شكليّاً، بل هو موضوعٌ يتعلَّق بالروحِ والانتماءِ والجذورِ الحضاريَّةِ والثقافيَّة، وليس كاللبنانيِّينَ شعبٌ يرتبطُ بأصالتِه إلى أبعدِ الحدود، فأنتَ تراه في مدينةِ سيدني يبني الكنائسَ والمساجدَ والمدارس، وفي مناسباتِه السعيدة يعزِفُ على المزمار، ويقرعُ الطبل، ويرتجلُ الميجنا والعتابا، ويُنشِد الزجلَ والهُوَّارة، ويُزغرِد، ويرقص الدبكة. ويمكنُ للزائرِ إلى مدينةِ سيدني أن يشتريَ الحَلوى اللبنانيَّة من محلاَّت عبلا، وصدَقة، وأن يزورَ المطاعمَ اللبنانيَّةَ المنتشِرة في كلّ مكان. وقد استبدَلَ كثيرٌ من الأستراليِّين خبزَهم بالخبزِ اللبنانيِّ، وأدخلوا إلى بيوتِهم الخُضارَ التي يزرعُها أهلُ الجيَّة، والتي تختلِفُ عن الخُضارِ المعروفةِ في أستراليا لوناً ورائحةً وطعماً. وفي المناسباتِ اللبنانيَّة تُقدِّمُ المطاعمُ المآكلَ اللبنانيَّةُ، وتصدحُ الموسيقى التي تذكِّر بأرضِ لبنانَ البعيدِ القريب، كما يُنشَد الزجل الذي يليق بالمناسبة. 
ويمكنُنا القولُ إنَّ كثيراً من اللبنانيِّينَ الذين هاجروا إلى أستراليا تأثَّروا بالمدنيَّةِ الجديدة، فالنظم العصريَّة تطغى على إرادة الإنسان المتشبِّث بالماضي، بَيدَ أنَّها لا تمحو من نفسِه وروحِه علاماتِ الانتماءِ الأوَّل. وفي هذا يقول بول طبر وآخرون: "عادةً يُطرح سؤالُ الهُويَّةِ اللبنانيَّة في الاغتراب، فإنَّه يُطرحُ من زاويةِ حنينِ المهاجرينَ اللبنانيِّينَ وارتباطِهم بالوطنِ الأمِّ." (بول طبر وآخرون، 2000، ص 9). ولعلَّ هذا الارتباطَ بالوطنِ الأمِّ وتقاليدِه، هو الذي جعلَ المجتمعَ الأستراليَّ الأبيضَ يَنظرُ إلى اللبنانيِّين نظرةً حَذرة، باعتبارِهم فشِلوا إلى حدٍّ ما في التأقلُمِ مع سياسةِ الوطنِ الجديد، ومفاهيمِه الأخلاقيَّةِ والاجتماعيَّةِ والثقافيّة. ويعترف الشاعر عصام ملكي بأنَّ روحَه ما تزال في لبنان: 
"ماشي بِسيدني ودعستي بلبنان." 
(ملكي، 2009، ج 3، ص 208). 
ويقول في مكان آخر وفي المعنى نفسِه: "بْسيدني الجسد والروح من لبنان
 مش رح بتِطلع يا تقبريني." 
(ملكي، 2004، ج 2، ص 120)
وفي مكان ثالث يقول: "كنت بربيع العمر وهجرت بشمزِّين/ والشوق نار، وبَعد ما قدرت إطفيها." 
(ملكي، 2009، ج 3، ص 376)
   ويَقصدُ الشاعرُ بربيع العمر أنَّه غادر لبنانَ في عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وأربعةٍ وخمسين، وكان له من العمرِ سبعةَ عشرَ عاماً فقط، وعلى الرُّغمِ من المسافةِ البعيدةِ بين أمسِه ويومِه، فإنَّ روحَه ما تزالُ متعلِّقة بأرضِ قريتِه بشمزِّين، وما يزال يحِنُّ إليها. وهذا الارتدادُ إلى الماضي هو قاسمٌ مشترَكٌ عندَ الشعراءِ المهجريِّينَ قاطبة، فطابَعُ الشعر المهجريِّ "هو طابَعُ العاطفةِ والحنين، لأنَّ نحوَ الشعراءِ هذا المنحى جاء تعبيراً عمَّا يجيشُ في صدورِهم (أي شعراء المهجر) من حبٍّ وشعورٍ بالحِرمان، فَجَّرهما الشوقُ إلى الأهل والأحبَّاء، والبِعادُ عن الوطن، فكانت أبياتُ الشاعر أجنحةً يطيرُ بها في دنيا الأحلام إلى دياره ومرتَع صباه." (حرفوش، 1974، ص 111)
   وإنَّ عصام ملكي يُعاني من حالة نفسيَّة مُزمِنة، فهو منفصِمٌ بين مجموعتين من القِيم، واحدة موروثة، وتَحتوي على العاداتِ، والتقاليدِ، والدينِ، والثقافةِ المحلِّيَّة، وواحدة جديدة تحتوي على مجموعِ العناصرِ "المدينيَّة" والحياةِ المتطوِّرة... فكأنَّه طفلٌ سُلِخ عن أمِّه، ووُضِع في رعايةِ أمٍّ ثانية، لكنَّه ظلَّ يرفضُ الأمومةَ المستعارة، ويعودُ إلى الأمومةِ الأصيلة، بل إنَّه يرى في الوفاءِ لقريتِه وسيلةً للانتقامِ من الظروفِ الحياتيَّة التي أخذته من بيئةٍ وزرعتْه في بيئةٍ أخرى، لا يشعرُ بالانتماءِ الأصيلِ إليها، ولا يرى أنَّ ثقافتَها تتناسبُ 
مع شخصيَّتِه المشرقيَّة الصافية.
   ويَذهبُ ملكي إلى أبعدَ من حدودِ الشوق والحنين إلى الوطن وأهله، فيقدِّم لنا قصيدةً جريئة يُخاطبُ فيها مدينةَ سيدني، من غير مواربةٍ ولا مُحاباة، كاشفاً عن أنَّه لا يرى ربيعاً جميلاً في هذه المدينة، مقارِناً بينَها وبين بلادِه الحبيبة التي لا تبارحُ خيالَه:
"من ساعة الفيكي عُيوني تْقابلو           
دقَّات قلبي عالعَقارب واقفين... 
بالرغم إنِّك بالحَلا صرتي مَلو             
واللي بيحبُّو الكاس كاسِك شاربين
 ما في أمل إنِّي ربيعِك إقبَلو              
النحلات مش عم بيبعتولي مطْربين
 مش بسّ إنُّو الزهر ريحه ما إلو         
عطرو ما فينا نشمّ، والمالِك حزين
 وزَهر الرُّبى عا تراب لبنان الحلو       
كلما بْعبيرو تشردَق هْبوب الهوا
بلا مْواخَذه بيصير يِسعُل ياسمين." 
(الملكي، 2009، الثالث، ص 223)
   إنَّ المرءَ ليتعجَّبُ فعلاً من هذه اللغةِ الصريحة التي يَتحدَّث بها الشاعرُ إلى مدينةِ سيدني، فقد أمضى فيها ما 
يُقارب الستِّين عاماً، ولا يزال قلبُه متوقِّفاً عند اللحظةِ الأولى التي غادر فيها قريتَه، ولا يزالُ هو رافضاً لربيعِ المدينة الخالي من عبير الزهر، ولماذا يَقبلُ بهذا الربيع الفارغِ في نظرِه من المعنى، ويتخلَّى عن ربيعِ لبنانَ المليءِ بالعطرِ والجمال؟
   ولا تختلف نظرة عصام ملكي إلى الغربة عن نظرة شربل بعيني، الذي يتوقُ للعودةِ إلى جذوره، ويبكي ويستبكي على الأيَّام التي ضاعت في الغربة:
"كِيفْ تْرَكْت؟ وْكِيفْ مْشِيتْ؟
وْلَيْش تْأَخَّرْت وْما جِيتْ؟
بْشِعْرَكْ ياما وْياما رْجِعْت
عَ الأَرْض، وْبِالْغُرْبِه بْقِيتْ
فِيكْ تْقِلّي شُو جَمَّعْت
وْمِن بَعْد الشَّيْبِه شُو جْنِيتْ؟
أَحْلَى أَيَّامَك ضِيَّعْت
بْغُرْبِه مَزْرُوعَه تْوابِيتْ؟!" 
(بعيني، ابن مجدليّا، ebenmejdalaya.blogspot.com)
   في هذه الأبياتِ الأربعة من نوع القرَّادي، يؤكِّد بعيني على مجموعةٍ من العناصرِ النفسيَّة المتراكمة: الشوقُ للعودة، الحلُم بالعودة، الوعدُ الكاذب الذي لا يُحقِّق العودة، ضَياعُ الأيَّام في الغُربة، والموتُ في الغربة... لقد خسر الشاعرُ ردحاً من عمره في مدينةِ سيدني، فهو ينظرُ حولَه فلا يرى تابوتاً واحداً فقط، بل مجموعةً من التوابيت. وهذا التوجُّه إلى صيغةِ الجمع، وإن تكنْ تُحتِّمُه ضَرورة القافية، إنَّما يعبِّر أيضاً عن مجموعِ حالاتِ الموتِ الجسديِّ والنفسيِّ والعقليِّ في مجتمعٍ غريب عن الشاعر. إنَّه الموتُ الفظيعُ الذي يُهشِّم الحياة، ويُقَطِّع الأوصال، ويُقفِلُ الدروبَ والمعابر. وكأنَّ الشاعرَ يخاف من أن يموتَ عدَّةَ مرَّاتٍ بعيداً عن قريتِه مَجدليَّا، ولا تَسمحَ له الأيَّامُ بالعودةِ إليها.
   وهذا التناقض المخيف بين مكانينِ مختلفينِ يُظهر كيف أنَّ الشعراء المهجريِّينَ في أستراليا تائهونَ بين انتماءين، فيغلِبُهم الصوتُ الذي ينادي إليهم من وراء البحار، ونداءُ الأمِّ والأبِ والعائلةِ والقريةِ الوادعة. فجورج منصور الذي غادرَ قريتَه متريت في عام ألف وتسعمِئة وثلاثة وستِّين، لا يزالُ يُناجيها، ويحدِّثُها قائلاً: 
"قلتْ بدِّي غيب شي كم عام          
عن أرض بالآمال مزروعه
 وغِفَّيتْ تحت جْناحِك الإلهام           
مَوعودْ بِرجَع قبل ما يُوعى
وبينِك وبيني وِقفت الإيَّام." 
(منصور،2001، ص 103). 
   هذا الوقوف في الزمن يعني أنَّ الشاعرَ يرفضُ الرحيلَ عن قريتِه، فقد انتقلَ منها بجسدِه فقط، لكنَّ الأيَّامَ 
لا تزالُ جامدة، وهو ما يزالُ هناك في ملاعِبِ الصِّبا. وهذا الارتباطُ الوثيقُ بالمكان فسَّره علماءُ الاجتماعِ والفلاسفةُ على أنَّه اختبارٌ في خِضمِّ الصراع بين ما يطلُبُه سلوكُ الإنسانِ في العالم وبينَ انتمائه المحلِّيِّ أو الشخصيّ... ويَعتقدُ بعضُ المفكِّرينَ المشاركينَ في النقاش حول الولاءِ للوطن الأمِّ أنَّ هذا الولاءَ هو تعبيرٌ طبيعيٌّ وأخلاقيٌّ مُناسب عن التعلُّق بالأرضِ التي ولدنا فيها ونمَونا على ترابِها، وترجمةٌ للتقديرِ العميق الذي نَشعرُ به تُجاهَ فوائدِ العيشِ فيها، وبين شعبِها، وفي ظلِّ نظامها. كما أنَّ هذا الولاءَ يُنظَر إليه على أنَّه مكوِّنٌ مهمٌّ وأساسيٌّ للهُويَّةِ الشخصيَّة (Primoratz and Pavkovic, 2007, p.1). ويحلِّل هامفري Humphrey الانفصامَ بين مكانِ الولادة ومكان الاستقرار بالقول: إنَّ الهجرة تُنشئ ظروفاً للذوبانِ في المجتمعِ الجديد، وكردَّةِ فعل تُعيدُ التأكيدَ على سلطةِ الماضي. فمن جهةٍ يَعمل الوقتُ والمسافة على اضمحلالِ الأماكنِ الماضية والأشخاصِ الماضين، ومعهم أيضاً الشخصيَّةُ الذاتيَّةُ الماضية، ومن جهة ثانية فإنَّ الهجرةَ تعيد أيقاظَ الماضي بسببِ الشعور بالخِسارة (أي توقظُ في النفس الإنسانيَّة مشاعر الحنين) .(Humphrey, 2002, p. 208) 
    يمكنُ القولُ إذن: إنَّ ارتباطَ الشاعرِ المهاجرِ بأرضِه الأولى هو تعبيرٌ عن الوفاءِ في خضمِّ التحوُّلاتِ الكبرى التي تؤثِّر على حياتِه، وتغيِّرُ في تفكيرِه، لكنَّها تعجَزُ عن تغييرِ الصورةِ التي انطبعت في عقلِه الباطن، فيظلُّ مشدوداً إليها، رافضاً أن ينتزعَها من عقلِه وقلبِه؛ ففي ذُروةِ التحوُّلِ الاجتماعيِّ الهائل الذي طرأ على حياة المهاجرينَ اللبنانيِّين في أوطانهم الجديدة، "كان الشعراء يجِدون ملاذاً في القرية من زَيف الحضارةِ الحديثةِ والعولَمة المُستحدَثة، فإذا بالقريةِ تتحوَّلُ إلى أثرٍ بعدَ عين، أو إلى مجرَّدِ أغنيةٍ تُعيد إلى البالِ فِردوساً مفقوداً." (فاضل،2001، ص1) ومن المدهشِ حقّاً أن نقعَ في الشعر المهجريِّ الأستراليِّ على معجمٍ واسعٍ لألفاظِ القريةِ وأشيائها: السِّراج، الصاج، الناطور، الراعي، الغدير، الموقَده، الباب القديم، السْكملَه (الطاولة الصغيرة)، المزراب، الدملْجانِه (خابية عرق أو نبيذ)، فلنستمع إلى الشاعر المهجريِّ وهو يقول:
"لبنان يا ناطور يا راعي فقير             
يا مْروج خضرا يا زَنابق يا غدير
يا بيت سطحو تراب، يا خيمة قصب   
يا موقَدِه تِغْشى الضحك عالزمهرير..." 
(منصور، 2001، ص 21). 
   ففي هذين البيتين مجموعة من العناصر التي التصقت بالذاكرة، ولم تتمكَّن عناصرُ أخرى ضاغطة، كالمدينة، والنظامِ، والعولمة، والهُويَّة الثقافيَّة الجديدة على محوِها وإلغائها. ويَذكُر العديدُ من الشعراءِ المهجريِّينَ تصريحاً أسماءَ القُرى التي تركُوها وراءَهم، فلا يكادُ يخلو ديوانٌ من الحديثِ عن قريةِ الشاعر، أو القرى التي تجاورُها، كما تَشيعُ في القصائدِ المهجريَّة  عناوينُ غارقةٌ في المحلِّيَّة، مثل: بيتي القديم، الضيعة، بيتنا بلبنان، بيوت العتيقه، بيت أهلي، يا بيت سطحو تراب... وكذلك مواضيعُ عن شخصيَّاتٍ من القرية كالأمِّ، والجدَّة، والحبيبة، والفلاّح، والراعي، والكاهن... والعودةُ إلى هذه الأشياء هي عودةٌ إلى الذاتِ وشعورٌ بالراحة بعد التعبِ والضياع، فقد توقَّفت الذاكرةُ في حدود الماضي، ولم يعدِ الشاعرُ قادراً على تصوُّرِ العالمِ خالياً من ذكرياتِه الطيِّبة. فالعودة إلى القرية، ولو عن طريقِ الخيال، هي "فِردوسٌ لبنانيٌّ يشتاقُ إليه المهاجرُ كما يشتاقُ المؤمنُ إلى جنَّةِ الفردوس." (فاضل، 2011، ص 1)
   ولا يتوقَّفُ الشاعرُ المهجريُّ اللبنانيُّ في أستراليا عند حدود الشوقِ والتغنِّي بالعودةِ إلى الوطن، بل إنَّه يتناول أيضاً الموضوعَ السياسيَّ، وكأنَّه يعيشُ في لبنانَ ويشعرُ بما يجري فيه من أحداثٍ ومآسٍ.  
فها هو جورج منصور يخاطبُ وطنَه بحزنٍ ومرارة:
"يا موطني سنين القهر طلعو طْوال          
وصامد لحالَك عن بتتحدَّى الزوال
هاك الأيادي السود تركوها تْسُود          
وصابيعها تمسَح بمسحات الجمال." 
(منصور، 2001، ص 49)
   وعصام ملكي يبكي على وطنٍ أصبح دويلاتٍ وتَشرذمَ أهلُه، ويدعو الناسَ إلى الثورةِ على الواقع:
"يا شعبي الفيك تاريخك تَباهى          
عذابَك عم يعيش اليوم فيِّي...
الزعامه الفارغَه خَزِّق عَباها             
عَباها تفصّلت عالمَجدليِه
انتفِضْ عالشلّحو العيشِه صفاها         
انتفض عا التاجَرو بالطائفيـِّه...
بدنا بيوتنا تجدّد صِباها                  
بعدما ختيرت بالمدفعيِّه... 
(ملكي، 1999، ص 272)
   إنَّ عصام ملكي يعيش في هَمّ الوطن، ويعيش همُّ الوطن فيه، وصرختُه تخرُج من قلب مجروح، وكأنَّه هو الذي يُعاني من الزعامات، والطائفيَّة، والحروب. ومثلُ عصام ملكي يرفع شربل بعيني صوتَه إلى الشعب:
قاوِمْ يَا شَعْبِي قَاوِمْ
مُشْ حَقّ تْضَلّ مْسَالِمْ...
حْمَالْ بْإِيدَكْ سَيْف النَّارْ
وْوَقِّفْ عَ الشَّمْس سْلالِمْ
وْقِلاَّ: يَا بْلاد الأَحْرَارْ
رَحْ إِهْدِيكِي تَاج الْغَارْ
وْبَاقِةْ مُوسِيقى وْأَشْعَارْ
بِتْقَلِّقْ عَيْن الْحَاكِم. 
(بعيني، مجانين، majanin.blogspot.com)
   إنَّ هذه الصرخةَ إلى الشعبِ يُطلِقُها واحدٌ من الشعب، يعيشُ فيما بينَهم، ولم تأخذْه رياحُ الغُربةِ إلى البعيد. فالغُربة هي انتقالٌ شكليٌّ من مكانٍ إلى آخر، أمَّا ضميرُ الشاعر، فيبقى مخلِصاً لقضايا الناس، ويتفاعلُ مع هُمومِ أهلِه. 
   وهكذا نرى أنَّ الشاعرَ المهجريَّ ولبنانَ توأمانِ لا ينفصِلان، والشعراءُ اللبنانيُّون الأستراليُّون الذينَ حملوا 
الشعرَ في صدورِهم، ولم يترُكوهُ لأسبابِ الحياةِ الجديدة، أخذوا معهم أيضاً الشوقَ والحنينَ إلى قراهم، فأنشدوا في القريةِ وذكرياتِها وأشيائِها القصائدَ المُعبِّرة، وجعَلوا من الشعرِ جسراً رومنطيقيّاً يُعيدُهم إلى لبنان، فيتفاعلون مع أهلِه، ويعيشون في ظلالِه، ويتألَّمونَ لِما فيه من مآسٍ وأوضاعٍ مريرة.
2- الزجلُ مِنبر للتفاعُلِ مع المجتمع:
   إنَّ التفاعل مع المجتمع أمرٌ تحتِّمه ضروة الحياة، فمهما كان المرءُ غريباً عن مجتمعٍ ما، فإنَّه لا يستطيعُ الاستمرارَ إذا ما بقيَ منعزِلاً ووحيداً ومنفصلاً عن الهمومِ الإنسانيَّة التي تحيطُ به. والشعراءُ اللبنانيُّونَ في أستراليا وَجدوا أنفسَهم في بيئةٍ جديدة، لا يعرفونَ عنها شيئاً، وكانت هواجسُهم الأولى هي الاستقرارُ والعملُ والنجاحُ والأُسرةُ، وتبِع ذلك الانسجامُ التدريجيُّ مع المجتمعِ الأستراليِّ. وإذا كان الشاعر مرآةً لواقعه ومجتمعِه، فإنَّ الدواوينَ المَهجريَّةَ مليئةٌ بقصائدِ المناسباتِ من أفراحٍ وأتراح، بما تنطوي عليه من وقائعَ حياتيَّة، وأسماءِ أشخاصٍ وأماكن. وقد ذهب الشعرُ المهجريُّ بعيداً في التعبيرِ عن تفاعُلِه مع المجتمعِ العريض، فالشاعرُ شربل بعيني يقدِّم كتاباً كاملاً إلى أستراليا عنوانُه: "أغنية حُبٍّ لأستراليا"، يتغنَّى فيه بجمالِ أستراليا، ومدُنِها الرائعة. كيفَ لا؟ وأستراليا هي البلادُ التي احتضنته، واستقبلته، وكرَّمته، وكانت له وطناً ثانياً يعتزُّ به بين الأوطان:
"مِنْ أَوَّلْ نَظْرَه... حِبَّيْتِكْ
غِمَّضْتْ عْيُونِي وْخِبَّيْتِكْ...
يَا أُمّ... هْدِيتِينِي بَيْتِكْ
وِنْدَهْتِينِي بْإِسْم مْزَوْزَق... 
رَحْ خَبِّرْ عَنْ مَسْحِةْ زَيْتِكْ
عَنْ حُبِّكْ... عَنْ مَجْد مْعَتَّقْ
صِيتِكْ... فَوْق النَّجْم مْعَلَّقْ
كَفِّكْ خَيْرْ... وْإِسْمِكْ بَيْرَقْ"
(بعيني، أغنية حُبّ لأستراليا  (lovesongtoaustralia.blogspot.com 
   إنَّ الشاعرَ يُعبِّرُ في هذا المقطع عن حبِّه لأستراليا ووفائِه لها، وتقديرِه للخيرِ الذي تمثِّله هذه البلاد. فأستراليا هي الحبيبة التي أغمض عينيه وأحبَّها، وهي الأمُّ التي أعطته بيتاً، وهي مسحةُ زيتٍ دينيَّة شافية، وهي الكرَمُ والخيرُ والمجدُ الذي يُعانق النجوم... وفي مزيجُ هذه الحالات المختلفة يصرِّحُ الشاعرُ بولائِه ووفائِه لأستراليا البلدِ العظيم. ويكون الشاعرُ هنا ناطقاً باسم الكثيرين من المهاجرين اللبنانيِّين الذين يحفَظون الجَميلَ لأستراليا، ويُقدّرونَها لِما أعطتهم من وسائلِ الحياةِ والنظام والحرِّيَّة.
   وعندما أقدم مُجرِمون ذات يومٍ على اغتيالِ جرَّاحِ القلبِ الشهير فيكتور تشانغ، وهو طبيبٌ أستراليٌّ نابغة، من أصولٍ صينيَّة، كَتب جورج منصور قصيدةً بعنوان "قتلو حكيم القلب" يقول فيها:
"يا تُرى مْن هالجُرم مين استفاد؟           
القتلوك ضاعو والجريمِه مْبيَّنِه...
وتا نقول إنُّو قلوبهُن قطعة جماد            
وفي بينَك وبينُن عداوِه مُزمِنِه
شو طالبين؟ لو يسألو كلّ البلاد           
كانت بْتفديك تا تخَلِّص دِني." 
(منصور، 2001، ص 241)
   إنَّ منصور يتفاعل مع قضيَّة الاغتيال بصورة طبيعيَّة، وكموطن أستراليٍّ تعنيه الإنسانيَّةُ والعدالة. فحادثةُ 
   القتلِ المشؤومة التي وقعت في الرابع من تمُّوز عام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعين، كانت كارثةً وطنيَّة، هزَّت الأوساط السياسيَّة والاجتماعيَّةَ في أستراليا. وقد يسألُ سائل: ما هو الدافعُ الذي يجعلُ من شاعرٍ لبنانيِّ كجورج منصور مثَلاً يتعاطفُ مع طبيبٍ صينيٍّ لا يعرِفُه ولم يرَ له وجهاً إلاَّ في الجرائد؟ والجوابُ هو: إنَّ جورج منصور هو مواطنٌ أستراليٌّ أيضاً، ويحمِلُ هُويَّةَ البلادِ التي يعيشُ فيها، وما الطبيبُ المذكور سوى واحدٍ من أبناءِ جِلدتِه. وفي هذا الانتماءِ الصادق، ترجمةٌ رائعةٌ لفكرةِ التعدُّديَّةِ الثقافيَّة التي تبنَّتها أستراليا كسياسة عامَّة، وهذه التعدَّديَّة تعترفُ بفرادةِ الثقافةِ لكُلِّ مجتمعٍ بمفردِه، ولكنْ تحتَ مِظلَّةِ الوطنِ الواحدِ والمواطنيَّة الشاملة، والنظام السياسيِّ القائم(Luner, 2007, p. 85) .
   وعندما فازت مدينةُ سيدني بشرف استضافة الألعاب الأولمبيَّة عامَ 2000، كتب جورج منصور قصيدة بعنوان "سيدني سَبَقتي العصر" أكَّد فيها على محبَّته للمدينة التي تضمُّ الشعوبَ إلى صدرِها من غير تفرقة ولا تمييز:
"من كلِّ شعب وكلّ عرق ولون           
عا حضنِك الدافي ملفَّايِه
وبْمطلع الألفين كلّ الكون                  
ضَبّ الشنط ومولَّف وجايي."
(منصور، 2001، ص 246)
   وفي هذا الكلام القليل، يلتفت الشاعر إلى موضوع التعدُّديَّة، حيث أنَّ سيدني هي مدينةٌ متنوِّعة، تضمُّ الأجناسَ والأعراقَ والألوانَ جميعاً من غيرِ تفرِقةٍ ولا تمييز. لكنَّ الشاعرَ نفسَه يُشيرُ إلى مواضيعَ سلبيَّة في المجتمع، لا تتناسبُ مع قناعاتِه وتربيتِه، وتقاليدِه الموروثَه، فها هو في الحافلة المُزدحِمة بالرُّكَّاب يتفاجأُ بفتاةٍ في مُقتَبَل العمر، تُعاني من السُّكْر والمُخَدِّر، فيكتُبُ قصَّتها بقلبٍ مُوجَع ونغَمٍ حزين: 
"قعدِتْ عَ كرسي "الباص" سكرانِه              
 تْحاكي الفَضا وتعدّ نجماتو
فستانها الخمري الأرجْواني                         
مَدعوك ما بتنعدّ طيَّاتو...
سارحَه بِ كونْها التاني                            
تضحك وتبكي بالوقت ذاتو...
وعمرها إن كتَّرتْ عشرين                        
سرار الدني بتجهل معانيها
علْقتْ ما بين دياب جيعانين                      
وتاركه البيتِ المربِّيها...
تجَّار كفْرو بالدني والدين                          
وأجيال عم بِيدَبّْحو فيها." 
(منصور، 2001، ص 101)
   إنَّ مشهد الفتاة المخدَّرة لا يتوافقُ مع رؤيةِ منصور لمجتمعٍ بريء ونقيّ. فهو يصِفُها كضحيَّةٍ للإنسانيَّة العمياء، ولتجَّارٍ كافرين، لا يؤمنون باللهِ ولا بالإنسان، يَذبحون الأجيال ويدفعونَ بها إلى المصير المظلِم.
   ويبدو شربل بعيني على مسافة قريبة من منصور في التفاتِه إلى قضيَّة المُخدِّرات الشائعة في المدينة، فتراه يصفُ الحشَّاش الذي يتلذَّذُ بفعلتِه، غيرَ آبهٍ بالموت الذي يتربَّص به: 
"حشَّاشْ.. عَمْ تِشْرَبْ جُنُون وْسَمّْ             
تَا تِنْتِشِي، وْبَسْط الْخَلِيقَه تْلِمّْ
مِتْل الْقِرِدْ عَمْ تِلْحَس الْمبْرَدْ                    
مَبْسُوطْ... لكِنْ مِخْتِنِقْ بِالدمّ." 
(بعيني،roubaiat.blogspot.com)
   إنَّ مشهد الحشَّاش في الشوارع الأستراليَّة، في الحدائق وعند محطَّاتِ القطار هو مشهدٌ مألوف. والشاعرُ يبدي غضبهُ وإشفاقَه على الضحيَّة التي تسيرُ بإرادتِها إلى الموتِ المحتوم. 
   ويلتفت شربل بعيني إلى مسألةٍ خطيرةٍ أخرى، أكثرَ خصوصيَّة، بل أقربَ إلى المجتمعِ اللبنانيِّ تحديداً، وهي مسألةُ "الزعامةِ" المحلِّيَّة، حيث أنَّ عشراتِ اللبنانيِّينَ في أستراليا مهووسونَ بحُبِّ الظهور، وبالكراسيِّ، وقد أنشأوا لكلِّ بلدة ومدينةٍ وقريةٍ جمعيَّة، ولكلِّ طائفةٍ مجلساً، ولكلِّ اتِّجاه مؤسَّسة تُجاهرُ بتمثيلِ الجالية:
"وْبَدَّك الْكِرْسِي تْكُونْ مِنْ قِدَّامْ           
تَا تْعَرِّمْ... وْيِنْقَالْ عَنَّكْ بَيْكْ
أَكْبَرْ شَرَفْ بِتْنَالْ لَوْ بِتْنَامْ                 
تَا نْقَعِّد الْكِرْسِي شِي مَرَّه عْلَيْكْ." 
(بعيني، رباعيَّاتroubaiat.blogspot.com)
   بهذه اللغة الساخرة يُخاطب شربل بعيني جماعةَ المتزعِّمينَ، الذينَ لم يكن لهم دورٌ في قُراهم قبل أن يُهاجِروا، وكانوا خاضِعين لزعاماتٍ محلِّيَّة في مناطقِهم، فاستفادوا من مُناخِ الحرِّيَّةِ في أستراليا، لينتقِموا من الماضي، ويُصبحوا هم زعماءَ في مجتمعٍ لا يُحاسِبُ ولا يُراقب، بل إنَّ شرعيَّتَهم مُستَمَدَّة من اعترافِ الحكومةِ الأستراليَّةِ بالمؤسَّساتِ والجمعيَّاتِ اللبنانيَّة الكثيرة، ومن الإعانات الماليَّة التي تُخصِّصها الدولةُ الفيدراليَّة لتلك المجموعات. فزعماءُ الجالية يحاولونَ الحصولَ على الاعترافِ بزعاماتِهم الاثنيَّة، من قِبلِ ممثِّلي السلطة، واستمرارِ دعمِ السلطةِ لهم مادِّيّاً، عَبر المِنَحِ والهِبات (بول طبر وآخرون، 2000، ص 200). ويُسمِّي طبر الطبيعةَ التنافسيَّة لتمثيلِ الجالية في أستراليا بمشكلة "الوَجاهة" أو المِيزة الاجتماعيَّة التي توفِّر للأفراد الاحترامَ في بيئتِهم الاجتماعيَّة، وتخوِّلُهم لعِبَ دورٍ بارز في إدارة شؤون الجالية (طبر وآخرون، 2000، ص 196)، فباتوا زعماءَ بصفتهم ناطقينَ باسم الجالية (طبر وآخرون، 2000، ص 194). وكان من الأفضل، في نظر شربل بعيني على الأقلِّ، لو أنَّهم ينامون كأهلِ الكهف، لكي ترتفِعَ الكراسيُّ عليهم.
   وإنَّنا نستمعُ إلى صوتِ الشاعرِ المهجريِّ المنتقدِ لهذا الوضعِ الاجتماعيِّ الخطير، كأنَّنا نستمعُ إلى صوت ابن الرومي في هجائِه المقذِعِ للأوضاع الاجتماعيَّة المتردِّية في العصر العبّاسيّ، وفي نقدِه الواقعيِّ والجارحِ لشخصيَّاتٍ كوميديَّةٍ ناشزة. وها هو عصام ملكي يشنُّ حرباً شعواءَ على دكاكينِ السياسةِ اللبنانيَّة المفتوحةِ في سيدني على مدار الساعة، تبيعُ الناسَ كلاماً، ولكنَّها في الحقيقة لا تؤمِّن إلاَّ المصالحَ الضيِّقة 
للتجَّار والمتاجرين:
"فُلان بْيشمَخ وحضرة جَنابو        
شو هُوِّي مْن البشر تخمين ناسي
بِفضل تنين من خيرة صِحابو        
"تجمُّع" فبرَك وجاب الرئاسه...
ما بدنا نسايرو ولا نْدقّ بابو        
وما بدنا نسمع خبارو لأنُّو
انعرف للعجرفِه مرجَع أساسي." 
(ملكي، 1999، ص 67)
   بهذه الكلمات القليلة يُضمِّن الشاعر مجموعةً من الحقائق الواقعيَّة، فبعضُ الناس من حديثي النعمة تنكَّروا لماضيهم، وباتوا يشمَخون على الآخرين، بعد أن استطاعَ "فُلان" مع اثنين من أصدقائه أن يَطلبوا رُخصةً لإنشاءِ تجمُّع، فعيَّنُوهُ رئيساً عليهم. وهذه الحالُ متفشِّيةٌ في المجتمعِ اللبنانيِّ الأستراليِّ، في ظلِّ التساهلِ الذي تُبديه الحكومة الفيدراليَّة بشأن إعطاءِ التراخيصِ لتشكيل الجمعيَّات، وبعضُ تلك الجمعيَّات تكاد تكون فارغةً من أعضائِها ما عدا الرئيسَ الذي يمثِّلها في المآدبِ والحفلاتِ والمِهرجانات.
   ويُخبِرُ الشاعر عصام ملكي قصَّةَ شعريَّةً بعنوان "عديم"، يتناولُ فيها مَن جاء إلى أستراليا فقيراً، وعندما احتوى المالَ كيسُه تمرَّدَ، وتنكَّرَ لأصحابِه:
"متل العسل أوَّل دخولوكان         
وقت اللي كانو يْصَوْفرو جيابو
وكان بكَلامو يفتِّح العميان          
وبالإحترام يطُوف مزرابو
وهلَّق ما عاود من بَني الإنسان       
لمَّا بَرم بالحظّ دولابو
قال المتَل: صار الصبي جهلان        
وللمَال يمكن طعْجت ركابو."
(ملكي، 1999، ص 70)
   إنَّه وصفٌ للإنسانِ الذي يأتي إلى أستراليا، باحثاً عن عملٍ وأصدقاء، وبيت يُؤويه، فيكونُ قمَّةً في الاحترام والتعاطي الإيجابيِّ مع الآخرين، غيرَ أنَّه عندما يستلِمُ وظيفةً ويشتري بيتاً، يتحوَّلُ إلى إنسانٍ ناكرٍ للجَميل، ومتنكِّرٍ لمن احتضنَه وساعدَه وشدَّ من أزرِه.
   ومثلُ هذا "العديم" "عديمون" آخرون يَصبُّ الشاعرُ جامَ غضبِه عليهم، ومنهم مَن كان يشتغل في محطَّة للوَقود، فابتسمت له الدنيا، وأصبح من الأثرياء، أو مَن تاجَرَ بالمخدِّرات، فتغيَّرت أحوالُه، وأصبحَ من المتقدِّمينَ في المجتمع:
"العاشو عُمر بين الشحم والزيت        
نسيُو بإنُّو رفاقهُم كنَّا...
وهلِّي ببيع "التلج" ابن فلان             
بْيهرُب من سْلامات إيديْنا." 
(ملكي، 1999، ص 64)
   إنَّ لفظة "ثلج" هي من الألفاظ المتَداوَلة في أوساطِ الجاليةِ اللبنانيَّةِ في أستراليا، وتُستخدَمُ هذه اللفظة للإشارةِ إلى مهرِّبي المخدِّرات أو مروِّجيها، ويُسمَّى تاجرُ المخدِّراتِ مَجازاً بتاجر "الأبيض".
   ومهرّب المخدِّرات هذا يخاطبُه شربل بعيني بلهجة ساخرة، فهو المشهور الذي ترافقُه النساء، وهو الرجُل الذي لا مثيلَ له بينَ الرجال:
"مْهَرِّبْ حَشِيشِه، قَاتِلْ مْلايِينْ        
بْمَسْحُوقْ مِتْل السَّمّ، نِيَّالُو
فَاتِحْ مَطَارْ مْرَافَق الْحلْوِينْ             
وِالصّدقْ وِالإِخْلاصْ رِسْمَالو
زِلْمُو، يَا رَبِّي تْزِيدْ، بِالْمِيَّاتْ         
بِيخَوّفُوا الطُّرْقَاتْ وِالسَّاحَاتْ...
هَيْك الرّجَال تْكُونْ يَا رَبِّي            
تَاجْرُوا وْرِبْحُوا بوَزْنَاتَكْ
وْإِنتْ لَوْ مَا تْكُونْ مِتْخَبِّي             
كِنْت ظْهَرِتْ لِلنَّاسْ ضَرْبَاتَك." 
(بعيني، مشِّي معي mashsheemaee.blogspot.com)   
   وهكذا يمضي الشاعرُ المهجريُّ في تصويرِه لطائفةِ الناس الذين فقدوا القيَم، فباتَ المالُ شغلَهم الشاغل، فهجرتِ المحبَّةُ قلوبَهم، وأصبحت الصداقةُ الحقيقيَّةُ أثراً بعد عين. فلنستمعْ إلى جورج منصور وهو يتحدَّث عن الصديق الذي تنكَّر لعهد الوفاء، في زمن المادَّة والتهافت على الثروة، فبات يتكبَّر على الناس الذين يراهُم أقلَّ منه شأناً:
"وعندك صديق التحق بمْواكب التجَّار         
وبيقول: كلِّ الغِنى من وحي إلهامي
سرسَب "مدير البنك" والحبل عالجرَّار         
وماشي وفوق البشر راسو عِلي قامِه...
بِيردّ من دون نفَس: شطِّب ع هالأخبار   
 هَودي يا خيِّي بشَر منهُن مِن مْقامي." 
(منصور، 2001، ص 31)
   وعصام ملكي يعتبر الصداقة غايات، والصديقُ الوفيّ مفقودٌ، أمَّا ثمنُ المعاملة الإنسانيَّةِ فينبغي أن يُدفَع لتستقيمَ الأمور، وتتواصلَ مسيرةُ الحياة:
"بْحيث الصداقه كلّها غايات             
ما منسمع الأهلا وَسهلا غير
 ما يكون فينا حقّها ندفَع...
جْناح الصداقه صارت بلا ريش
وعا كلّ وبرَه هَرِّت مندْمَع." 
(ملكي، 2004، ج 2، ص 83)
   لقد زالت الصداقة وقيمتُها الإنسانيَّة، وحلَّت محلَّها عناصرُ المادَّةِ في مجتمع استهلاكيٍّ، يتسابقُ فيه الناس 
على امتلاك البيوت، والأراضي، متنكِّرين للأصالةِ التي توارثوها عن آبائِهم وأجدادِهم. وهذا التصويرُ 
للواقِع الأليم، هو تصويرٌ صادق، يرتفعُ بالشعرِ الزجليِّ من قيمةٍ فنِّيَّةٍ وتُراثيَّةٍ وثقافيَّةٍ إلى حدودِ التعبيرِ عن الحياةِ، وما يواكبُها من أوضاعٍ اجتماعيَّةٍ وهمومٍ إنسانيَّةٍ كبيرة. والشاعرُ المهجريُّ هُنا لا يكونُ شاهداً صامتاً على العصر، بل يكونُ صوتاً صارخاً في ضمائرِ الناس، فهو من جهةٍ ينتمي إليهم، ويعيشُ بينَهم، ومن جهةٍ ثانيةٍ ينتقدُ طرائقَهم في الحياة، ويعلِنُ عصيانَه على الأساليبِ الملتوية، والأوضاعِ الشاذَّة. وهذا التفاعُل مع المجتمع يبدو كسيفٍ ذي حدَّين، إذ أنَّه يَطبعُ الشاعرَ بطابَعِ الصدقِ والأمانةِ في نقلِ الواقع، ومن جهة أخرى يضعُه أمامَ مسؤوليَّةٍ صعبة، فيصبحُ منبوذاً ومُطارَداً من فئةِ الناس الذين لا تروقُ لهم انتقاداتُه اللاذعة، خصوصاً أنَّ هؤلاءِ الناس يشكِّلونَ فئةً واسعةً، وقائمةً بذاتِها في المجتمع العريض.
خاتمة وتقويم: 
   وهكذا يتَّضح لنا أنَّ شعر الزجل رافق المهاجرين اللبنانيِّين إلى أستراليا، وطبعَ حياتَهم الثقافيَّة، وشكَّل 
قيمة ثقافيَّة وحضاريَّة وفنِّيَّة في مجموعة القيَمِ والتقاليد والعادات التي تمسَّكوا بها. وعبَّر الشعراءُ عن آرائهم وهمومِهم من خلال اللغةِ الحيَّةِ التي يُتقنونَها، مع العلم أنَّ بعضَهم كتب شعراً باللغة الفُصحى، كشربل بعيني وعصام ملكي، ولكنَّ نسبةَ الشعرِ الزجليِّ تفوقُ إلى حدٍّ كبيرٍ نسبَةَ ما كتبوه بلغةِ العرب العارِبة، فإنَّ "الشعور بالحياةِ وإدراكَها الكامل لا يكونان تامَّين إذا عبَّرتَ عنهما بغيرِ اللغة الدائرة على الألسنة، وبهذا يثيرُ شاعرُنا العامِّيُّ النفوسَ إثارة يعجَزُ عنها أكبرُ شعرائنا الرسميِّين." (مارون عبُّود، 1986، مج 2، ص 350)
   وقد تناول شعراء المهجر في زجلهم جميعَ الأغراضِ الشعريَّةِ المعروفة، من مناسبات، وغزل، ووصف، وفخر، ووطنيَّات... ولكنَّ الحنينَ إلى الوطنِ هو من السماتِ المميِّزةِ لهذا الشعر، ولا غرابةَ في ذلك، فـ"في الغُربة شعورٌ بالاتِّصال الناقصِ مع التراب، ولو على قدر، شعورٌ بالانفصال الجسديِّ، والتعويض عنه بالاندماج الروحيّ." (أبي ضاهر، 2010، ص 18). وقد ارتدى شعراءُ المهجر الأستراليِّ أجنحةَ الشوقِ وطاروا بها إلى قراهم وأهلِهم وحقولِهم، فكأنَّ أرواحَهم ما تزالُ قائمةً في الماضي، وصارخةً بين جنباتِه، كما أنَّهم لم يبتعدوا عن واقعِ لبنانَ السياسيِّ، في الحرب والسلمِ والأزماتِ المتتالية، فكتبوا شِعراً وطنيّاً وسياسيّاً يتماهى مع هذا الواقع، ينتقِد، ويتألَّم، يُشارِكُ أهلَه المقهورينَ في الأرض البعيدة.
   وإذا كان تأقلُمُ الفردِ مع البيئةِ التي يعيشُ فيها ضرورة، فمن الطبيعيِّ أن يلتفتَ الشاعرُ إلى مسائلَ وهمومٍ تخصُّ مجتمعَه العريضَ أوَّلاً، ومجتمعَه الخاصَّ بدرجةٍ ثانية. وهذا ما فعلَه شعراءُ المهجرِ الأستراليِّ الذين كتبوا عن أستراليا ومآثرَها وقضاياها، وانتقدوا المظاهرَ الاجتماعيَّةَ الشاذَّةَ التي تميِّزُ حياةَ اللبنانيِّين في القارَّةِ النائية، وأهمُّ تلك المظاهر: حبُّ الوجاهة والنفوذ، وكثرةُ الجمعيَّاتِ والمجالس التي يَدَّعي كلُّ واحدٍ منها أنَّه يمثِّلُ الجاليةَ اللبنانيَّةَ خيرَ تمثيل، ناهيكَ عن الغِنى بعدَ الفقر، والتكبُّر، والتنكُّر للمعروف، وزوالِ الصداقةِ والوفاء، والتخلِّي عن الأصالة... وهذه المواضيعُ ليست من نسج الخيال، بل هي وقائعُ موجودة، والذي يزورُ أستراليا، يلاحظُها ويُدرِكُ مخاطرَها. وفي هذا الانسجامِ بين الواقع والشعر، يكونُ الزجلُ ترجمةً صادقة للحياة، ومرآةً تُظهِّرُ الأوضاعَ المتردِّية، فالزجلُ بشكل عامٍّ "ينقل جوانب الحياةِ جميعَها، ويعكس الأحوالَ الاجتماعيَّةَ والسياسيَّةَ والاقتصاديَّة." (بولس، 2010، ص 1) وقد التزم شعراء الزجل في أستراليا بهذه الموازنة بين الفنِّ والواقع، فقدَّموا لنا شعراً واقعيّاً يتحدَّثُ عن العالم بلغة واضحة، يفهمُها جميعُ الناس على اختلافِ ميولِهم وثقافاتِهم.
المصادر والمراجع العربيَّة:
- أبي ضاهر، جوزف (2010). أنطولوجيا زجل الاغتراب اللبنانيّ 1900-2000. ذوق مصبح:
منشورات جامعة سيِّدة اللويزة.
-بعيني، شربل. أغنية حبّ لأستراليا. موقع:
                                       lovesongtoaustralia.blogspot.com 
مجانين. موقع:
 majanin.blogspot.com
ابن مجدليَّا. موقع:
ebenmejdalaya.blogspot.com              
رباعيَّات. موقع:
roubaiat.blogspot.com                                  
  مشِّي معي. موقع:
mashsheemaee.blogspot.com                       
-بولس، حبيب (2010). الشعر العاميُّ الشعبيُّ: ميزاته، فنونه ونوادر شعرائه. موقع:
 jamalia.com 
- تودوروف، تزفيتان (1986). نقد النقد. ترجمة سامي سويدان. بيروت: مركز الإنماء القوميِّ.
- حرفوش، نبيل (1974). الحضور اللبنانيُّ في العالم، ج1، لا ناشر.
- الخويري، أنطون بطرس(2011). تاريخ الزجل اللبنانيِّ. بيروت: دار الأبجديَّة ومركز الإعلام والتوثيق.
-طبر، بول، كولينـز، جاك وآخرون (2000). اللبنانُّون في أستراليا- قراءة في الهويَّة والعنصريَّة في زمن العولمة. ترجمة حسن الشيخ. بيروت: دار مختارات.
-عبُّود، مارون (1986). المجموعة الكاملة، المجلَّد الثاني. بيروت: دار مارون عبُّود.
-عون، طنُّوس (2001). موسوعة الهجرة اللبنانيَّة، الكتاب الأوَّل: بداية الهجرة وتطوُّرها. ملبورن: لا ناشر.
-فاضل، جهاد (2011). أدب الحنين إلى القرية والريف في لبنان. جريدة الرياض. 29 كانون الأوَّل. 
العدد 15893. موقع:
  alriadh.com
-ملكي، عصام (1999). الديوان الملكي. سيدني: لا ناشر
(2004). الديوان الملكي، ج 2. سيدني: الناشر عماد الحاج.
(2009).الديوان الملكي، ج 3. سيدني: الناشر نديم أحمد.
-منصور، جورج (2001). بيادر الحنين. سيدني: دار المنشورات اللبنانيَّة.
الأجنبيَّة:
-Batrouney, Trevor (2002). From White Australia to Multiculturalism. In Arab-Australians Today: Citizenship and Belonging. Ghassan Hage ed. Melbourne: Melbourne University Press.
-Batrouney, Andrew and Batrouney,Trevor (1985). The Lebanese in Australia. Melbourne: AE Press.

-Humphrey, Michael (2002). Injuries and Identities: Authorizing Arab Diasporic Difference in Crisis. In: Arab Australian Today. Ghassan Hage ed. Melbourne: Melbourne University Press.
Luner, Beata (2007). Migration, Multiculturalism and Language Maintenance in Australia. Bern: Peter Lang.
-Primoratz, Igor and Pavkovic, Aleksandar (2007). Patriotism. Hampshire England: Ashgate Publishing Limited.

-Smith, Laurajane (2006). Uses of Heritage. London: Rutledge.
**