أحباب شربل بعيني: الحب هو الشعر

   البحث عن إنسان جديد ليس شمولياً 
   والذاتية مردّها الغربة
   أكاد أقول: عندما أوجد الله الحب في الأرض، خلقه على وزن شربل بعيني ومثاله. فأنت في أن تحب الشاعر أو تكرهه، ولكنك لست حراً في أن ترفض الحب الذي يبادلك به.
   أليس الحب هو الشعر؟
   أو ليس الشاعر هو القدوة التي تسيّر الجماهير؟ 
   وما العظمة إذا كنت تشبه الناس في تفكيرهم وأحاسيسهم وسلوكهم اليومي؟
   شربل بعيني هو هو، يخرج بكتاب جديد فيه من كلاسيكية اللغة وبساطة الكلمة واللحن الغنائي الشيء الكثير. ولكنه كتاب منضد بسواد العينين، وملوّن بدموع التجربة والرؤيا الانسانية التي لا تغيب أبداً عن مسرح الشعر.
   في "أحباب" لا يعود شربل بعيني بطلاً يلوّح بالسيف ولا فاتحاً لمدرسة جديدة. فالكتاب بمجمله مجموعة قصائد ألقيت في مناسبات ثقافية أو اجتماعية أو فنية، لكن لكل قصيدة في العالم مناسبة. فالزمن مناسبة. وطالما أنت في الزمن فإنك لا تخرج من حدود اللحظة التي يشتعل فيها الفكر، وينجب خلقاً سوياً قد لا يتأتى له أن ينجبه في لحظة أخرى.
   ومهما يكن من أمر، فإن شربل بعيني هنا، ليس شاعراً زجلياً، رغم أن لا تهويميّة، ولا غموض أو رموز مغلقة في شعره، بل "مباشرة" قريبة إلى القلب والفكر تكتنفها أحياناً صور قادرة على تخييل المتلقي وتحريكه من الداخل.
   وشربل يدرك ويقر أن تعريف المطربين ليس شعراً، بقدر ما هو نظم يستهدف المديح والإطراء والترويج الدعائي. وأنا أرجو أن يسلّم شربل معي، وهو سيفعل، أن قصيدة "ردولي إبني من الموت" المحلّقة الهادرة موضوعاً وحواراً وصورة، قادرة على تشكيل سقف إبداعي أعلى وأمتن.
   ويبدو أن لشربل شيئاً من قديمه في الكتاب، وهو قديم جديد. فالقصيدتان "دمع" و"حكاية بطل" هما من قصائد شربل الجيّدة. وأريد أن ألفت نظر شربل هنا إلى أن هذا اللون المتواتر من السبعينات ليس "محرماً دولياً"، بل ان فيه من اللهب الإبداعي أكثر مما يظن الكثيرون. وإنني لا أنكر أن هم الشاعر اللبناني أو الوطني ظاهر في مجمل الكتاب، فشربل صاحب عقيدة لا يحسن لديه الانفلات منها، ونظرته الى الوطن والزعامات لا تزال مرهفة وحادة، فهو المسؤول الأبرز عن الحقيقة يصرخ بها دائماً:
باعوا الوطن بالدّيْن
شو ذنبنا نحنا
نشف الدمع بالعين
وعن جنتو نزحنا
صار الحكم حكميْنا
وصفّى غراب البَيْن
يشقلب مطارحنا
   والصرخة تتكرر في مكان آخر:
تركني تركني قُولْ
رح ينفجر راسي
بلاقي الشعب مسطول
بيألِّه كْراسي
بأوطان مش مسموح
تربّي بحضنا زغار
نامت ع صدرا جروح
وفاقت بيقلبا نار
   وفي وسط المشكلة يبحث شربل عن إنسان جديد، على أن بحثه هذا ليس شمولياً، بمعنى أنه لم يخصص قصائده لدعوة أو لقضية ما، بل جعل الدعوة تبرز من خلال شذرات تلمع حيناً، وتختفي حيناً آخر، ليحل محلها إطراء أو ثناء لشخصية معيّنة، وهذا هو دأب شعر المناسبات قي غالبه.
   ولا تخبو في الكتاب ذاتية مردّها إلى تأثّر شربل العميق بغربة فرضت عليه، وأكلت خبز أيامه ولياليه. ففي قصيدة "البيّاتي.. الحلم الراجع"، يتحدّث عن غربته بآلامها ونارها وجنونها:
يللي هجرت الدار
متلك أنا بغربه
بسافر بهالأشعار
ع جوانح الكذبه
ومعليش لولا كذبت
ما نسيت كيف هربت
والخوف بيدربي
وبكم كلمه كتبت
قلّلت من خوفي
وروّضت منفى.. تعبت
وبعدني منفي
   أعني أن هذا الاحساس بالغربة هو إحساس عام، جماهيري أكثر منه فردي، دائم الحضور، ومقلق في أبعد المدى.
   وأظن شربل لا يقصد كتابة الشعر بقدر ما يكتب أحاسيسه، ولذلك تتسود شعره التلميحات والدعوات المتفرقة والعظات المتناثرة التي يثبها كما خلقت، ولا يفرد لها قصائد مختصة بذاتها.
   وفي لفتة إلى مديحه يخترق شربل المقولة: إن المديح غرض قديم، فالمحبة جديدة بتجدد صاحبها، ومن يكتب المحبة بنياط قلبه يفعل أمراً جديداً في عصر أصبحت فيه المحبة ذكراً من أقاصيص الأطفال، وحلماً يتدثر به النائمون.
   إنه مدح جلل، يخاطب أعلى القوم لا سافلهم، مدح صادق مرهف لا يتقنّع ولا يغالي أو يوارب. وفي أي احتمال يبقى أن للشاعر الحق أن يردّ يوماً فضلاً لأصحابه، ويعترف بجميل من أحسنوا إليه، وسددوا خطاه، غير أنني لا أزال أعتقد أن لشربل القدرة على عمل أفضل من "أحباب"، أو لنقل عمل مواز لقصيدة "ردّولي إبني من الموت"، وهذا اعتقاد شخصي أردت أن أظهره، فإذا كان صائباً أفاد شربل، واذا كان مخطئاً أفادني. والله الموفق.
صوت المغترب، العدد 1079، 17/5/1990
**