شاعر الغربة السوداء

ألقاها في منزل شربل بعيني يوم تكريم السفير لطيف أبو الحسن والمطران يوسف مرعي.

مروا على عطش الابواب وارتجلوا
نهراً وعاصفةً بالارض تنتقلُ

في دمعة القمح قد نامت بيادرنا
وبيدر الحزن في اعماقنا جبلُ

مروا، سيولد لبنان بأحرفكم
ويفضح الشعر ما قالوا وما فعلوا

للأرض قولوا: اذا تنهار دولتنا
فليس تبقى على ارجائها دولُ

ان الصغير اذا لانت ملامسه
ففي اظفاره البركان يشتعل

ومن يكون بباب الغيم ملعبه
يظل يركع في ابوابه الاجل

اغمضت عيني على لبنان لا فزعاً
اكن يوماً، ولا باليأس انشغل

فانتم الرعد والنار التي انبلجت
من البراكين لما انجب الازل

وانتم البحر لا تغفو سواحله
وعنده السحب البيضاء تغتسل

اقول شعراً: انا طفل بساحتكم
وفوق اعينكم كالظل ارتحل

الملم الزهر عن اثوابكم خجلاً
حتى يزهّر فيَّ الشعر والزجل

من لي بأهلي؟ وانتم اهل موهبتي
من لي بحرف اليه الشمس تبتهل؟

تصيّد الفجر بالأقلام شاعركم
ففي الشقائق من شريانه قبلُ

ولوّن الحقل عصفوراً وأطلقه
حتّى استفاق على أنغامه الرسلُ

هذا الأبيّ الّذي يمناه جدوله
هذا النبيّ الذي أقواله عملُ

يا شاعر الغربة السوداء من حجر (1)
خلقت سحراً، وفاضت عندك الجملُ

اعطيك خبزاً اذا اعطيتني رجلاً
فيه المكارم والاخلاق والمثل

فداك نحن إذا نابتك نائبة
فبالسيوف رجال الشعر تكتحل

تعبت ارفع اوجاعي على كتفي
وقد يموت على اوجاعه الرجل

قلبي هناك لدى عصفورة شردت
قلبي هناك مع الالاف يحتفل

يا لعبة الموت  ما ادراك ما بلدي؟
غمامة عبرت بالشرق تنهمل

ربابة وقعت في كف عاشقة
فأثمر الوتر المحموم والغزل

لو يصلبون على المسمار جبهته
يعود منتصراً في قلبه الامل

لو حولوه متاريساً واعمدة
يظل يصبر من جرح ويحتمل

من قال مات؟ يصير النعش قنبلة
ومدفعاً بصراخ الدم ينجبل

سلوا السفير عن الايدي التي بذرت (2)
قمحاً بنهر من الاجساد يتصل

سلوا السفير.. ففي اعماقه خبر
عن الذين على اعتابهم قتلوا

يا صاحب الامر لو كلفت معصية
فقل بربك ماذا تفعل الملل؟

ألست انت تحب الله مرتضياً
وبالمسيح لديك الفخر والمثل؟

أليس احمد او عيسى على غضب
وكل رب على اقوامنا هبل؟

اذا نريد لديك الصدق نعرفه
صدق البطولة إذ لا يكذب البطل

فلو تمثّل فيك الناس لارتعدت
كفّ الاذى وتلاشى الحقد والدجل

فالقول عندك اسياف مرصعة
والحلم بالادب المرموق مكتمل

واللطف والحسن لو مرّرت ظلهم
على الكواكب طاش البدر والزحل

في ليلة الشعر بعت النهر اغنيتي
وجئت اسأل عمن في الحمى نزلوا

من يوسف الحسن؟ هذا الطهر موسمه (3)
وكل مكرمة في الكون يشتمل

لو مرت الشمس في ابوابه ركعت
تولّهاً وبدا في وجهها الخجل

يعرج الورد.. يغفو عند عتبته
وتسجد الكتب البيضاء والمقل

يا صاحب الدار لو قصّرت يعذرني
اني تضيق على افكاري السبل

فأنتم الشعر، من برق هياكله
وكل حاسدة للبرق تنخذل

ماذا يقولون؟ هذا خبز دمعتنا
وملحنا بعروق الدم ينفعل

هذا هو الشعر بالزلزال نكتبه
لأمره الغيم والأنسام تمتثل

يمر في مدن سود فيهدمها
لكي يخبّر عن اصحابه الطلل

هذا هو شعرنا.. من ليس يعجبه
فألف شكر إذا يرضى ويعتزل
ـ
1ـ شربل بعيني
2ـ السفير لطيف ابو الحسن
3ـ المطران يوسف مرعي
صوت المغترب، العدد 1077، 1990
**